الشوكاني
391
فتح القدير
أدبر ، وإن كان في الأصل مشتركا بين الإقبال والإدبار . قال المبرد : هو من الأضداد . قال : والمعنيان يرجعان إلى شئ واحد ، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره . قال رؤية بن العجاج : يا هند ما أسرع ما تعسعسا * من بعد ما كان فتى ترعرعا وقال امرؤ القيس : عسعس حتى لو نشاء إذ دنا * كان لنا من ناره مقتبس وقوله : الماء على الربع القديم تعسعسا * ( والصبح إذا تنفس ) التنفس في الأصل : خروج النسيم من الجوف ، وتنفس الصبح إقباله ، لأنه يقبل بروح ونسيم ، فجعل ذلك تنفسا له مجازا . قال الواحدي : تنفس : أي امتد ضوؤه حتى يصير نهارا ، ومنه يقال للنهار إذا زاد تنفس . وقيل ( إذا تنفس ) إذا انشق وانفلق ، ومنه تنفست القوس : أي تصدعت . ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال ( إنه لقول رسول كريم ) يعنى جبريل لكونه نزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأضاف القول إلى جبريل لكونه مرسلا به ، وقيل المراد بالرسول في الآية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والأول أولى . ثم وصف الرسول المذكور بأوصاف محمودة فقال ( ذي قوة عند ذي العرش مكين ) أي ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به ، كما في قوله - شديد القوى - ، ومعنى ( عند ذي العرش مكين ) أنه ذو رفعة عالية ومكانة مكينة عند الله سبحانه ، وهو في محل نصب على الحال من مكين ، وأصله الوصف فلما قدم صار حالا ، ويجوز أن يكون نعتا لرسول ، يقال مكن فلان عند فلان مكانة : أي صار ذا منزلة عنده ومكانة . قال أبو صالح : من مكانته عند ذي العرش أنه يدخل سبعين سرادقا بغير إذن ، ومعنى ( مطاع ) أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه ( ثم أمين ) قرأ الجمهور بفتح " ثم " على أنها ظرف مكان للبعيد ، والعامل فيه مطاع أو ما بعده ، والمعنى : أنه مطاع في السماوات أو أمين فيها : أي مؤتمن على الوحي وغيره ، وقرأ هشيم وأبو جعفر وأبو حيوة بضمها على أنها عاطفة ، وكان العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها ، ومن قال : إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالمعنى : أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة مطاع يطيعه ، من أطاع الله أمين على الوحي ( وما صاحبكم بمجنون ) الخطاب لأهل مكة ، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعنى : وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون وغيره في شئ ، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم ، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم ، فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون ، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه ( ولقد رآه بالأفق المبين ) اللام جواب قسم محذوف : أي وتالله لقد رأي محمد جبريل بالأفق المبين : أي بمطلع الشمس من قبل المشرق ، لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين ، لأن من جهته ترى الأشياء . وقيل الأفق المبين : أقطار السماء ونواحيها ، ومنه قول الشاعر : أخذنا بأقطار السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع وإنما قال سبحانه ( ولقد رآه بالأفق المبين ) مع أنه قد رآه غير مرة ، لأنه رآه هذه المرة في صورته له ستمائة جناح ، قال سفيان : إنه رآه في أفق السماء الشرقي . وقال ابن بحر : في أفق السماء الغربي . وقال مجاهد : رآه نحو أجياب نحو أجياد وهو مشرق مكة ، والمبين صفة للأفق قاله الربيع . وقيل صفة لمن رآه قاله مجاهد : ، وقيل معنى